ملا محمد مهدي النراقي

291

جامع السعادات

ذكر الله ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه ، فعظمت غبطته ، وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به أنسه ، وهذا الأنس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار الله ، ويترقى من الذكر إلى اللقاء ، قال الصادق ( ع ) : ( من كان ذاكرا لله على الحقيقة فهو مطيع ، ومن كان غافلا عنه فهو عاص ، والطاعة علامة الهداية ، والمعصية علامة الضلالة ، وأصلها من الذكر والغفلة ، فأجعل قلبك قبلة للسانك ، ولا تحركه إلا بإشارة القلب ، وموافقة العقل ، ورضا الإيمان ، فإن الله تعالى عالم بسرك وجهرك ، وكن كالنازع روحه ، أو كالواقف في العرض الأكبر ، غير شاغل نفسك عما عناك مما كلفك به ربك في أمره ونهيه ووعده ووعيده ، ولا تشغلها بدون ما كلفك به ربك . واغسل قلبك بماء الحزن ، وأجعل ذكر الله تعالى من أجل ذكره تعالى إياك ، فإنه ذكرك وهو غني عنك ، فذكره لك أجل وأشهى وأثنى وأتم من ذكرك له وأسبق ، ومعرفتك بذكره لك تورثك الخشوع والاستحياء والانكسار ، ويتولد من ذلك رؤية كرمه وفضله السابق ، وتصغر عن ذلك طاعتك وإن كثرت في جنب منته ، وتخلص لوجهه ، ورؤيتك ذكرك له ، يورثك الرياء والعجب والسفه والغلظة في خلقه ، واستكثار الطاعة ونسيان فضله وكرمه ، ولا تزداد بذلك من الله تعالى إلا بعدا ، ولا تستجلب به على مضي الأيام إلا وحشة . والذكر ذكران : ذكر خالص بموافقة القلب ، وذكر صارف لك ينفي ذكر غيره ، كما قال رسول الله ( ص ) : ( أنا لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ) . فرسول الله ( ص ) لم يجعل لذكره الله عز وجل مقدارا عند علمه بحقيقة سابقة ذكر الله عز وجل من قبل ذكره ، ومن دونه أولى ، فمن أراد أن يذكر الله تعالى ، فليعلم أنه ما لم يذكر الله العبد بالتوفيق لذكره ، لا يقدر العبد على ذكره ) ( 38 ) .

--> ( 38 ) الحديث مذكور في ( مصباح الشريعة ) : الباب 5 / 136 . وفي المستدرك : 401 ، كتاب الصلاة ، أبواب الذكر . وفي الموضعين اختلاف يسير فصححناه على ( مصباح الشريعة ) ، الموضع المذكور .